الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

37

الأخلاق في القرآن

كلّ شيء وتحوله إلى رماد . ومع تحرك الإنسان من موقع : « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » * ، فستذوب الأحقاد والكراهيّة كالثّلج في الصّيف ، وستتخلص المجتمعات البشريّة من خطر الحروب ، وتقلّ الجنايات ، وتنفتح البشريّة على أجواء المحبّة والتعاون والتّكامل الاجتماعي . وكما يقول القرآن الكريم ، : إنّ هذا المستوى الأخلاقي لا يصدر من كائن من يكن ، حيث يتطلب قوّة الإيمان والتّقوى والتربية الأخلاقيّة . ومن الطبيعي أنّ الخُشونة إذا ما قابلتها الخُشونة ، والسّيئة دُفعت بالسّيئة ، فستطّرد هذه السّلبيات وتتوسع يوماً بعد يوم ، وبالتّالي ستجر الويلات والمآسي على المجتمع البشري . ومن البديهي أنّ : ( مسألة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ * ) ، لها شروطٌ وحدودٌ وإستثناءاتٌ ، سنشرحها بالتّفصيل في المستقبل إن شاء اللَّه . « الآية الثالثة » : تحدثت عن تأثير حُسن الخُلق في جلب وجذب الناس ، وبيّنت أنّ المدير المتخلق بالأخلاق الإلهيّة إلى أيّ حدّ يكون موفقاً في عمله ، وكيف يجمع القلوب المُتنافرة ويوحِّدها التوحيد الذي يصعد بها إلى الرّقي والكمال الاجتماعي : « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ » . ففي هذه الآية ، نرى التّأثير العميق لحسن الأخلاق في تقدّم أمر الإدارة ، وجلب وجذب القلوب ووحدة الصّفوف ، والنّجاح على مُستوى التّفاعل الاجتماعي لأفراد المجتمع ؛ فأثر حسن الأخلاق لا يتحدّد بحدود البُعد الإلهي والمعنوي فقط ، بل له آثاره الوسيعة في حياة الإنسان الماديّة . والأوامر الثّلاثة التي جاءت في ذيل الآية ، يعني مسألة : « العَفو عن الخَطأ » و « طلب المغفرةِ من الباري تعالى » و « المشورة في الأمور » ، هي أيضاً تصبّ في دائرة تفعيل عناصر الأخلاق في النّفس ، لأنّ تلك الأخلاق النّابعة من الرّحمة والتّواضع ، تكون سبباً للعفو و